Loading

ما هو الدعاء

من الغرائز أو الطبائع التي كشف عنها علم النفس - عَدَّ منها ماك دوغال (Mc Dugall) أربع عشرة غريزة، ثم أضاف إليها في أخريات أعوامه أربعًا - غريزة الاستغاثة التي هي بمثابة ردة فعل طبيعية لدى الإحساس أو الشعور بالألم أو العجز أو الخطر...
والغريزة، كما هو ثابت في علم النفس، سلوك عفوي فطري مشترك بين جميع أفراد النوع الواحد، يندفع إليه الفاعل اندفاعًا تلقائيًا، أو إراديًا لكن مصحوبًا بالاحتياج، وفي الحالين معًا، فإنّ الغريزة لا تخرج عن كونها واحدة من صور النشاط النفسي، وطرازًا من السلوك، عمَاده الفطرة والوراثة البيولوجية(١).
خُذ البكاء على سبيل المثال، بكاء الطفل خاصة، أليس هو في الأصل تعبيرًا عن هذه الغريزة المسمّاة بغريزة الاستغاثة، يبكي الطفل أحيانًا، يُجهش بالبكاء، يتهيأ له، وقد يكون بكاؤه تعبيرًا عن إحساسٍ بالجوع أو الألم، وليس هذا هو المهم، بل المهم أن الطفل في بكائه إنما هو يستغيث، يستصرخ أمه، يُحرّك فيها كل عواطف الأمومة، فتراها تُهرع إليه، تحوطه بالعناية والحماية والرعاية...
ثم خذ البكاء، بكاء الكبار، والكبير يبكي أيضًا، وقد يبكي من شدّة الفرح أحيانًا، والمرأة تبكي أكثر من الرجل، أليس هذا البكاء نكوصًا عن الرجولة، ورجوعًا إلى الطفولة المحتاجة إلى الحماية، كما بيَّنا من قبل ؟!
وهبْ أن الإنسان تمالك أو تجلّد، وعزّ عليه البكاء، فما بالُك إذا ما أيقن بالهلاك أو العذاب، أفلا تراه مضطرًا إلى الحماية يطلبها ممنّ هو أقدر منه وأعزّ... يدعوه، يتضرّع إليه، يستغيثه، يلتمس منه النجاة أو التوبة التي التمسها فرعون لمَّا أدركه الغَرَق، فآمن حين لا يُجدي الإيمان فقيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(٢).
دعا فرعون، وكان ادّعى الربوبية، فما استجاب الله دعوته، ودعا العبدُ الصالح زكريا، وهو النبيّ الذي بلغ من الكِبر عتيًا، دعا ربّه أن يهب له غلامًا، وكانت امرأته عاقرًا، فوهب له يحيى، خرقًا للعادة، وأجيبت دعوة زكريا....
دعاءٌ لم تتحقق غايته، وآخرُ تحققت الغاية منه، وبين هذه وتلك أسئلة تُطرح، ومسائل تُبحث...
فما هو الدعاء؟ ما موقعه من العبادة ؟ وهذا ما يخصّنا في هذا البحث.
ما آدابه وأوقاته، وموارده ؟ وهل ثمة من حاجة إلى الدعاء وإلى المواظبة عليه؟

ما هو الدعاء
الدعاء لغة، من دعاه إذا ناداه، ورغب إليه، واستعانه في حاجة من الحاجات، أو غاية من الغايات، والدعوى المصدر... ودعاه إلى الأمر، ساقه إليه، ودعا به، استحضره، ودعا له، رجا له الخير، ودعا عليه، طلب له الشر، ودعا إليه طلب إليه...
والدعاء كما سلف، وأيًّا تكن الحاجة أو الغاية منه، وأيًّا كان الداعي، فهو لا يخرج في الأصل عن كونه سلوكًا فطريًا غريزيًا مشترَكًا بين جميع أفراد النوع الواحد، كتعبيرٍ عن غريزة كامنة في النفس، هي غريزة الاستغاثة بالغير، طلبًا للحماية أو الرعاية، وإنك لتجد مصداق ذلك في قوله تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}(3)، وفي قوله الآخر {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}(4).
عذابٌ في الدنيا قد يأتي بَغتة، وآخرُ عند قيام الساعة... ظُلماتٌ من فوقها ظلمات، في البرّ ومثلها في البحر، ويا لَلهول، يستشعر خطرها الداعي، تَمثُل له فتُحرّك فيه تلك الغريزة، غريزة الاستغاثة ؟ فإذا هو يَجْأر إلى الله، يرفع صوته بالدعاء، ملتمسًا الحماية والرعاية، والنجاة... ماذا ؟ أهي الرهبة، أم الخوف الذي قد يَعرض - وبحسب تعبير ابن مسكويه - عن تصوّر شرّ، أو توقّع مكروه، أو انتظار محذور ؟(5).
ماذا ؟ والخوف أو الرهبة، كما هو معلوم، درجات متفاوتة الشدة، أدناها الخشية (crainte)، وأعلاها الذعر (panique)، وشدّة الخوف تتناسب في العادة مع عِظَم المكروه المتوقّع، وإن كان توقّع الخوف لا يقلّ عن الخوف بعينه، والألم المتخيّل يسمى خوفًا، فيما اللذة المتخيلة، وبحسب تعبير بول ريكور (P.Ricoeur)، تُسمى رغبة، وكلا الحالتين الرهبة والرغبة تجد ما يناسب معنييهما في الآيتين الخامسة والخمسين، والسادسة والخمسين من سورة الأعراف {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}(6)، وإن كان من المناسب أيضًا في هذا المقام، أن نعطي للتضرّع والخُفْيَة معنى التذلّل والاقتصاد في تجاوز الحدّ المرغوب فيه من الدعاء، كما في الآية الأولى، وللخوف معنى الخوف من العقاب، وردّ الدعاء، وللطمع معنى الطمع في العفو والفضل وإجابة الدعاء، كما في الثانية.

الدعاء من العبادة
يتبين من الآيتين السابقتين أن الدعاء مظهر من مظاهر العبادة، بل قُل هو عبادة في نفسها، يُعبد الله سبحانه بها لما في ذلك من إظهار الخضوع والانقياد إليه، لا بل هو "أفضل العبادة" حسبما ورد في شرح إمامنا الصادق (عليه السلام) للآية : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(7).
وفي رواية حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : (أيّ العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله عز وجل من أن يُسأل ويُطلب ما عنده، وما من أحد أبغض إلى الله عز وجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده)(8).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (افزعوا إلى الله في حوائجكم، والجأوا إليه في مُلمّاتكم، وتضرّعوا إليه وادعوه فإن الدعاء مُخّ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب، فإما أن يُعجّله له في الدنيا، أو يؤجّل له في الآخرة، وإما أن يُكفّر له من ذنوبه بقدر ما دعا)(9).
ومثله عن علي (عليه السلام) في معرض وصيته لولده الحسن (عليه السلام): (...واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرض قد أَذِنَ لك في الدعاء وتكفّل لك بالإجابة، وأمَرك أن تسأله ليُعطيك، وتطلب إليه ليرضيَك، وتسترحمه ليرحمَك، وهو رحيم كريم)(10).


(١) صليبا، جميل: المعجم الفلسفي٢/١٢٧، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٨٢.
(٢) سورة يونس الآية ٩١.
(3) سورة الأنعام الآية ٤١.
(4) سورة الأنعام ٦٣-٦٤.
(5) ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق، ص ٢٠٧ (بدون ذكر مكان الطباعة وتاريخها).
(6) سورة الأعراف الآية ٥٥-٥٦.
(7) صحيح الكافي ١/١٣٥، ط١، الدار الإسلامية، بيروت ١٩٨١.
(8) المصدر نفسه ١/١٣٥.
(9) تفسير الميزان للطباطبائي، ٢/٣٧، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط٢، بيروت ١٩٧١.
(10) إتمام نهج البلاغة، تحقيق السيد صادق الموسوي، ص٩٥٩، مؤسسة الإمام صاحب الزمان، قم ١٤١٧ه.

د. يحيى الشامي
Codded & Powered by:نظام إدارة المحتوى كنز ـ قرية الويب ver 0.2