Loading

مفهوم الدعاء

الدعاء ـ لغة ـ: النداء والاستدعاء، نقول: دعوتُ فلاناً إذا ناديته وصحت به[1]. واصطلاحاً: طلب الأدنى للفعل من الأعلى على جهة الخضوع والاستكانة[2]. ومن خلال المعنى الاصطلاحي نفهم أن الداعي يكون محتاجا إلى المدعو؛ لأنه الأدنى.

ثم يضاف إلى ذلك كونه على نحو الخضوع والاستكانة.

هذا فيما لو نظرنا إلى الداعي والمدعو بصورة مطلقة، أي: من دون تشخيص الفارق بينهما من حيث العلو والدنو.

أما لو صرفنا عنان الكلام إلى ما نحن بصدده وهو: الحديث عن الدعاء والطلب الذي يكون بين العبد وربه فإننا سوف نرى أن العبد ـ الداعي ـ هو عبارة عن محض حاجة وفقر لمن يدعوه. والمدعو هو الغني المطلق والقادر على قضاء جميع الحوائج صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، وهو الذي لا تنقص خزائنه ولا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً.

وبهذا يكون خير المسؤولين وأوسع المعطين، وكل مسؤول سواه محتاج وكل معطٍ غيره فقير، وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب ومصدر الفيض والعطاء.

ثم اعلم أيُّها الداعي:

أن الذي جمع كلَّ هذه الصفات من القدرة على العطاء والسعة قد أذِن لك في دعائه وضمن لك الإجابة، فقال سبحانه وتعالى:)وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[3]( فمع قدرته وضعفك، وغناه وفقرك، يريد منك أن تدعوه فيجيبك، وتسأله فيعطيك؛ بل في بعض الآيات دلالة على أن أساس الخلق هو العبادة: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾

ولنأخذ مقطعاً من وصية سيدنا ومولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الحسن(عليه السلام).

(واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرضين قد أذِن لك في الدعاء، وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه)[4].

ثم نراه سلام الله عليه يجسد لك ذلك في الدعاء الذي علّمه لكميل بنَ زياد(رضوان الله عليه).

حيث جاء فيه: (اللهم انك قضيت على عبادك بعبادتك وأمرتهم بدعائك وضمنت لهم الإجابة فأليك يا ربّ نصبت وجهي واليك يا رب مددت يدي ...الخ)

وبذلك على الداعي الراجي رحمة ربه قبل دعائه أن يستشعر أمرين مهمين:

الأول: قدرة من يدعوه على إجابة دعوته وقضاء حاجته. وانه لا رادَّ لفضله ولا مانع لعطائه.

الثاني: الفقر والحاجة في صغير الأمور وكبيرها إليه سبحانه وتعالى.

روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (عليكم بالدعاء فأنكم لا تقرّبون إلى الله بمثله، ولا تتركوا صغيره لصغيرها أن تدعو بها، إن صاحب الصغار هو صاحب الكبار)[5].


[1] - عدة الداعي، لابن فهد الحلي:9.
[2] - نفسه.
[3] -سورة البقرة: 186
[4] - نهج البلاغة 3: 47،باب المختار من كتب أمير المؤمنين ورسائله...، رقم(31). شرح محمد عبده.
[5] - عدة الداعي: 128

مجلة الفرات ـ العدد (95) ـ السيد محمد حيدر الموسوي
Codded & Powered by:نظام إدارة المحتوى كنز ـ قرية الويب ver 0.2