الأقسام:

الحبّ الإلهي في أدعية أهل البيت عليهم‌السلام

كيف نحبّ اللّه ؟

جزء من رسالة آیت الله المرحوم الشیخ محمّد مهدي الآصفي قدس‌سره حول الحبّ الإلهي


ذكرنا أن اللّه تعالى يتحبب إلى عباده بالنعم، وهذه حقيقة ثابتة لاحاجة للحديث عنها، والذي يهمنا هنا هو أن نقول: إن وعي النعمة هو العامل الأساسي والرئيسي في حبّ اللّه .
وإذا أنعم اللّه على عبد بنعمة فتلقاها عن وعي كان لهذا الوعي أثران مباشران في علاقته باللّه تعالی:
أحدهما: الشكر، والثاني: الحبّ، وكلاهما يرفعان الإنسان إلى اللّه ، وطريقان يسلكهما الإنسان إلى اللّه .
والعلاقة بين «الشكر» و«النعمة» علاقة تبادلية جدلية، كلما أنعم اللّه على عبد استدعته النعمة إلى الشكر، وكلما شكر العبد ربه زاده اللّه تعالى من نعمه، «ولئن شکرتم لأزيدنّكم» وزيادة النعم تستدعي مزيد الشكر، وهكذا يتم الصعود إلى اللّه تعالى.
وأما إذا تلقى الانسان النعمة من غير وعي، فإنها تورثه البطر والرياء والغرور والطغيان «كلّا إن الإنسان ليطغى أن راه استغنی».
والنعمة هي النعمة تمنح الإنسان تارة حبّ اللّه وشكره، وتثير في نفسه تارة أخرى الغرور والبطر والرياء والطغيان.
والفرق بين هذا وذاك«الوعي»، ولذلك يحرص القرآن على التذكير بنعم اللّه تعالى، وهذا التذكير يشغل مساحة واسعة من القرآن.
فنجد أن القرآن يحاول أن يفتح عقل الإنسان وقلبه على طائفة واسعة من نعم اللّه التي يغفل عنها الإنسان عادة. فإن الإنسان يألف هذه التعم في حياته اليومية كثيراً، ومن طبيعة هذه الألفة أن يتبلد الذهن، فلا يحس الإنسان بقيمة هذه النعم وجمالها، نحو نعمة الزوجية، وتكور الليل والنهار، والمراكب التي يستخدمها الإنسان في البر والبحر، وما جعل اللّه تعالى للانسان فيهما من نعمة ورزق. وهي عملية توعية وتذكير واسعة وهادفة بنعم اللّه تعالى، يقول تعالى: «وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها» ويقول تعالى: «وأسبغ علیکم نعمه ظاهرة وباطنة».
وقد روي عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فسّر هذه الآية الكريمة بقوله: «من لم يعلم فضل اللّه عزوجل عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قصر علمه ودنا عذابه».
والتذكير بالنعمة توعية للنعمة، وإذا وعى الإنسان النعمة انقلبت النعمة في حياته حبّ وشكرا، وإذا تجردت النعمة عن الوعي انقلبت غرورة وطغيانا وبطرأ ورياء في حياة الانسان. وإلى هذا المعنى الدقيق في قيمة «الحمد» وتوعية اللّه لعباده بنعمه يشير الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام في الدعاء الأول من أدعية الصحيفة، يقول عليه‌السلام:
«وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ حَبَسَ‏ عَنْ‏ عِبَادِهِ‏ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ، وَ أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ، وَ تَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ وَ لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.».
وفي النصوص الإسلامية توجيه متكرر لتوظيف «نعم اللّه » في اتجاه حبّ اللّه ، وتوجيه الناس الى حبه تعالى بسبب نعمه وآلائه.
عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: «أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحبّ اللّه عزوجل، وأحبوا أهل بيتي لحبي».
وقد مرّ في الحديث القدسي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله:«قال اللّه عزوجل لداود عليه‌السلام: أحبني وحببني إلى خلقي، قال: یا رب نعم أنا أحبك، فكيف أحبك إلى خلقك؟ قال: اذكر أيادي عندهم، فإنك إذا ذكرت ذلك لهم أحبوني».
وفي نصوص الأدعية الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام نجد اهتماماً بالغاً في التأكيد على إحصاء نعم اللّه تعالى وآلائه أوّلا، وفي التأكيد على الحمد والشكر لله تعالی ثانية.
وهاتان عمليتان هادفتان في منهاج التربية الإسلامية تؤديان إلى:
1- توعية الإنسان وتذكيره بالنعمة.
۲ - توجيهه إلى حمد اللّه تعالى وشكره وحبه.
وفيما يلي نذكر نماذج من التذكير والتوعية بالنعم في نصوص أدعية أهل البيت عليهم‌السلام أولا، ثم في توجيه الإنسان من خلال هذه التوعية وهذا التذكير إلى شكر اللّه تعالى ثانياً.

نماذج من التذكير والتوعية بالنعم:
في دعاء الإمام الحسين عليه‌السلام يوم عرفة:
«اللّه مَ‏ إِنِّي‏ أَرْغَبُ‏ إِلَيْكَ‏ وَ أَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبِّي وَ أَنَّ إِلَيْكَ مَرَدِّي ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَ خَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَ اخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي وَ لُطْفِكَ لِي [بِي‏] وَ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَيَّامِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَ كَذَّبُوا رُسُلَكَ لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَ تَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ [لَهُ‏] يَسَّرْتَنِي وَ فِيهِ أَنْشَأْتَنِي وَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَ سَوَابِغِ نِعْمَتِكَ فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ لَمْ تُشَهِّرْنِي [تُشَوِّهْنِي‏] [تُشَبِّهْنِي‏] بِخَلْقِي وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّاً [طَرِيّاً] وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ وَ كَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمِ وَ كَلَأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَانُ حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلَامِ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامِ فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى إِذَا كَمَلَتْ فِطْرَتِي وَ اعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ وَ رَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ وَ أَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَ أَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ وَ نَبَّهْتَنِي لِذِكْرِكَ وَ شُكْرِكَ وَ وَاجِبِ طَاعَتِكَ وَ عِبَادَتِكَ وَ فَهَمْتَنِي مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ وَ يَسَّرْتَ لِي تَقَبُّلَ مَرْضَاتِكَ وَ مَنَنْتَ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِعَوْنِكَ وَ لُطْفِكَ ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ حُرِّ الثَّرَى لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلَهِي بِنِعْمَةٍ دُونَ أُخْرَى وَ رَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ وَ صُنُوفِ الرِّيَاشِ بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ عَلَيَّ وَ إِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ إِلَيَّ حَتَّى إِذَا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النِّعَمِ وَ صَرَفْتَ عَنِّي كُلَّ النِّقَمِ لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَ جُرْأَتِي عَلَيْكَ أَنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ وَ وَفَّقْتَنِي لِمَا يُزْلِفُنِي لَدَيْكَ فَإِنْ دَعَوْتُكَ أَجَبْتَنِي‏ وَ إِنْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتَنِي وَ إِنْ أَطَعْتُكَ شَكَرْتَنِي وَ إِنْ شَكَرْتُكَ زِدْتَنِي كُلُّ ذَلِكَ إِكْمَالًا لِأَنْعُمِكَ عَلَيَّ وَ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ فَسُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ مِنْ مُبْدِئٍ مُعِيدٍ حَمِيدٍ مَجِيدٍ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ وَ عَظُمَتْ آلَاؤُكَ فَأَيَّ أَنْعُمِكَ [فَأَيَّ نِعَمِكَ‏] يَا إِلَهِي أُحْصِي عَدَداً أَوْ ذِكْراً أَمْ أَيُّ [أَيُ‏] عَطَايَاكَ أَقُومُ بِهَا شُكْراً وَ هِيَ يَا رَبِّ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعَادُّونَ أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِهَا الْحَافِظُونَ ثُمَّ مَا صَرَفْتَ وَ ذَرَأْتَ [دَرَأْتَ‏] عَنِّي اللّه مَّ مِنَ الضُّرِّ وَ الضَّرَّاءِ أَكْثَرُ مِمَّا ظَهَرَ لِي مِنَ الْعَافِيَةِ وَ السَّرَّاء».


نماذج من التوجيه الى الحمد والشكر:
في دعاء الامام علي بن الحسين عليهما‌السلام في يوم عرفة:
«لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يَدُومُ بِدَوَامِكَ وَ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً خَالِداً بِنِعْمَتِكَ وَ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يُوَازِي صُنْعَكَ وَ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يَزِيدُ عَلَى رِضَاكَ وَ لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً مَعَ حَمْدِ كُلِّ حَامِدٍ، وَ شُكْراً يَقْصُرُ عَنْهُ شُكْرُ كُلِّ شَاكِرٍ حَمْداً لَا يَنْبَغِي إِلَّا لَكَ، وَ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَّا إِلَيْكَ حَمْداً يُسْتَدَامُ بِهِ الْأَوَّلُ، وَ يُسْتَدْعَى بِهِ دَوَامُ الْآخِرِ حَمْداً يَتَضَاعَفُ عَلَى كُرُورِ الْأَزْمِنَةِ، وَ يَتَزَايَدُ أَضْعَافاً مُتَرَادِفَةً حَمْداً يَعْجِزُ عَنْ إِحْصَائِهِ الْحَفَظَةُ، وَ يَزِيدُ عَلَى مَا أَحْصَتْهُ فِي كِتَابِكَ الْكَتَبَةُ حَمْداً يُوازِنُ عَرْشَكَ الْمَجِيدَ وَ يُعَادِلُ كُرْسِيَّكَ الرَّفِيعَ حَمْداً يَكْمُلُ لَدَيْكَ ثَوَابُهُ، وَ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ جَزَاءٍ جَزَاؤُهُ حَمْداً ظَاهِرُهُ وَفْقٌ لِبَاطِنِهِ، وَ بَاطِنُهُ وَفْقٌ لِصِدْقِ النِّيَّةِ حَمْداً لَمْ يَحْمَدْكَ خَلْقٌ مِثْلَهُ، وَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ سِوَاكَ فَضْلَهُ حَمْداً يُعَانُ مَنِ اجْتَهَدَ فِي تَعْدِيدِهِ، وَ يُؤَيَّدُ مَنْ أَغْرَقَ نَزْعاً فِي تَوْفِيَتِهِ حَمْداً يَجْمَعُ مَا خَلَقْتَ مِنَ الْحَمْدِ، وَ يَنْتَظِمُ مَا أَنْتَ خَالِقُهُ مِنْ بَعْدُ حَمْداً لَا حَمْدَ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِكَ مِنْهُ، وَ لَا أَحْمَدَ مِمَّنْ يَحْمَدُكَ بِهِ حَمْداً يُوجِبُ بِكَرَمِكَ الْمَزِيدَ بِوُفُورِهِ، وَ تَصِلُهُ بِمَزِيدٍ بَعْدَ مَزِيدٍ طَوْلًا مِنْكَ حَمْداً يَجِبُ لِكَرَمِ وَجْهِكَ، وَ يُقَابِلُ عِزَّ جَلَالِك‏».
وفي دعاء الامام علي بن الحسين عليه‌السلام وهو الدعاء الأول من الصحيفة السجادية:
«وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى‏ مَا عَرَّفَنَا مِنْ‏ نَفْسِهِ‏، وَ أَلْهَمَنَا مِنْ شُكْرِهِ، وَ فَتَحَ لَنَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَ دَلَّنَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ لَهُ فِي تَوْحِيدِهِ، وَ جَنَّبَنَا مِنَ الْإِلْحَادِ وَ الشَّكِّ فِي أَمْرِهِ حَمْداً نُعَمَّرُ بِهِ فِيمَنْ حَمِدَهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَ نَسْبِقُ بِهِ مَنْ سَبَقَ إِلَى رِضَاهُ وَ عَفْوِهِ حَمْداً يُضِي‏ءُ لَنَا بِهِ ظُلُمَاتِ الْبَرْزَخِ، وَ يُسَهِّلُ عَلَيْنَا بِهِ سَبِيلَ الْمَبْعَثِ، وَ يُشَرِّفُ بِهِ مَنَازِلَنَا عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ، يَوْمَ‏ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ‏ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏، يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏ حَمْداً يَرْتَفِعُ مِنَّا إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي كِتَابٍ مَرْقُومٍ‏ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏ حَمْداً تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنَا إِذَا بَرِقَتِ الْأَبْصَارُ، وَ تَبْيَضُّ بِهِ وُجُوهُنَا إِذَا اسْوَدَّتِ الْأَبْشَارُ حَمْداً نُعْتَقُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ نَارِ اللّه إِلَى كَرِيمِ جِوَارِ اللّه حَمْداً نُزَاحِمُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، وَ نُضَامُّ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ، وَ مَحَلِّ كَرَامَتِهِ الَّتِي لَا تَحُولُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اخْتَارَ لَنَا مَحَاسِنَ الْخَلْقِ، وَ أَجْرَى عَلَيْنَا طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ وَ جَعَلَ لَنَا الْفَضِيلَةَ بِالْمَلَكَةِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَكُلُّ خَلِيقَتِهِ مُنْقَادَةٌ لَنَا بِقُدْرَتِهِ، وَ صَائِرَةٌ إِلَى طَاعَتِنَا بِعِزَّتِهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْلَقَ عَنَّا بَابَ الْحَاجَةِ إِلَّا إِلَيْهِ، فَكَيْفَ نُطِيقُ حَمْدَهُ أَمْ مَتَى نُؤَدِّي شُكْرَهُ! لَا، مَتَى وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَكَّبَ فِينَا آلَاتِ الْبَسْطِ، وَ جَعَلَ لَنَا أَدَوَاتِ الْقَبْضِ، وَ مَتَّعَنَا بِأَرْوَاحِ الْحَيَاةِ، وَ أَثْبَتَ فِينَا جَوَارِحَ الْأَعْمَالِ، وَ غَذَّانَا بِطَيِّبَاتِ الرِّزْقِ، وَ أَغْنَانَا بِفَضْلِهِ، وَ أَقْنَانَا بِمَنِّهِ. ثُمَّ أَمَرَنَا لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَنَا، وَ نَهَانَا لِيَبْتَلِيَ شُكْرَنَا، فَخَالَفْنَا عَنْ طَرِيقِ أَمْرِهِ، وَ رَكِبْنَا مُتُونَ زَجْرِهِ، فَلَمْ يَبْتَدِرْنَا بِعُقُوبَتِهِ، وَ لَمْ يُعَاجِلْنَا بِنِقْمَتِهِ، بَلْ تَأَنَّانَا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً، وَ انْتَظَرَ مُرَاجَعَتَنَا بِرَأْفَتِهِ حِلْماً. وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى التَّوْبَةِ الَّتِي لَمْ نُفِدْهَا إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، فَلَوْ لَمْ نَعْتَدِدْ مِنْ فَضْلِهِ إِلَّا بِهَا لَقَدْ حَسُنَ بَلَاؤُهُ عِنْدَنَا، وَ جَلَّ إِحْسَانُهُ إِلَيْنَا وَ جَسُمَ فَضْلُهُ عَلَيْنَا فَمَا هَكَذَا كَانَتْ سُنَّتُهُ فِي التَّوْبَةِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، لَقَدْ وَضَعَ عَنَّا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَ لَمْ يُكَلِّفْنَا إِلَّا وُسْعاً، وَ لَمْ يُجَشِّمْنَا إِلَّا يُسْراً، وَ لَمْ يَدَعْ لِأَحَدٍ مِنَّا حُجَّةً وَ لَا عُذْراً. فَالْهَالِكُ مِنَّا مَنْ هَلَكَ عَلَيْهِ، وَ السَّعِيدُ مِنَّا مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِكُلِّ مَا حَمِدَهُ بِهِ أَدْنَى مَلَائِكَتِهِ إِلَيْهِ وَ أَكْرَمُ خَلِيقَتِهِ عَلَيْهِ وَ أَرْضَى حَامِدِيهِ لَدَيْهِ حَمْداً يَفْضُلُ سَائِرَ الْحَمْدِ كَفَضْلِ رَبِّنَا عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ. ثُمَّ لَهُ الْحَمْدُ مَكَانَ كُلِّ نِعْمَةٍ لَهُ عَلَيْنَا وَ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ الْمَاضِينَ وَ الْبَاقِينَ عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَ مَكَانَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَدَدُهَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً أَبَداً سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. حَمْداً لَا مُنْتَهَى لِحَدِّهِ، وَ لَا حِسَابَ لِعَدَدِهِ، وَ لَا مَبْلَغَ لِغَايَتِهِ، وَ لَا انْقِطَاعَ لِأَمَدِهِ حَمْداً يَكُونُ وُصْلَةً إِلَى طَاعَتِهِ وَ عَفْوِهِ، وَ سَبَباً إِلَى رِضْوَانِهِ، وَ ذَرِيعَةً إِلَى مَغْفِرَتِهِ، وَ طَرِيقاً إِلَى جَنَّتِهِ، وَ خَفِيراً مِنْ نَقِمَتِهِ، وَ أَمْناً مِنْ غَضَبِهِ، وَ ظَهِيراً عَلَى طَاعَتِهِ، وَ حَاجِزاً عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَ عَوْناً عَلَى تَأْدِيَةِ حَقِّهِ وَ وَظَائِفِهِ. حَمْداً نَسْعَدُ بِهِ فِي السُّعَدَاءِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَ نَصِيرُ بِهِ فِي نَظْمِ الشُّهَدَاءِ بِسُيُوفِ أَعْدَائِهِ، إِنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيدٌ.»
ونقرأ هذا المسلسل من الحمد في دعاء الافتتاح:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَ لَا وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً الْحَمْدُ لِلَّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا مُضَادَّ لَهُ‏ فِي‏ مِلْكِهِ وَ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَمْرِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَ لَا شَبِيهَ [شِبْهَ‏] لَهُ فِي عَظَمَتِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ أَمْرُهُ وَ حَمْدُهُ الظَّاهِرِ بِالْكَرَمِ مَجْدُهُ الْبَاسِطِ بِالْجُودِ يَدَهُ الَّذِي لَا تَنْقُصُ خَزَائِنُهُ وَ لَا تَزِيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطَاءِ إِلَّا كَرَماً وَ جُوداً إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ اللّه مَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ مَعَ حَاجَةٍ بِي إِلَيْهِ عَظِيمَةٍ وَ غِنَاكَ عَنْهُ قَدِيمٌ وَ هُوَ عِنْدِي كَثِيرٌ وَ هُوَ عَلَيْكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ اللّه مَّ إِنَّ عَفْوَكَ عَنْ ذَنْبِي وَ تَجَاوُزَكَ عَنْ خَطِيئَتِي وَ صَفْحَكَ عَنْ ظُلْمِي وَ سَتْرَكَ عَلَى [عَنْ‏] قَبِيحِ عَمَلِي [وَ سَتْرَكَ عَلَيَّ قَبِيحَ عَمَلِي‏] وَ حِلْمَكَ عَنْ كَثِيرِ [كَبِيرِ] جُرْمِي عِنْدَ مَا كَانَ مِنْ خَطَايَايَ وَ عَمْدِي أَطْمَعَنِي فِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَا أَسْتَوْجِبُهُ مِنْكَ الَّذِي رَزَقْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ وَ أَرَيْتَنِي مِنْ قُدْرَتِكَ وَ عَرَّفْتَنِي مِنْ إِجَابَتِكَ فَصِرْتُ أَدْعُوكَ آمِناً وَ أَسْأَلُكَ مُسْتَأْنِساً لَا خَائِفاً وَ لَا وَجِلًا مُدِلًّا عَلَيْكَ فِيمَا قَصَدْتُ فِيهِ [بِهِ‏] إِلَيْكَ‏ فَإِنْ أَبْطَأَ عَنِّي [عَلَيَ‏] عَتَبْتُ بِجَهْلِي عَلَيْكَ وَ لَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ فَلَمْ أَرَ مَوْلًى [مُؤَمِّلًا] كَرِيماً أَصْبَرَ عَلَى عَبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يَا رَبِّ إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ وَ تَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ وَ تَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلَا أَقْبَلُ مِنْكَ كَأَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ فَلَمْ [ثُمَّ لَمْ‏] يَمْنَعْكَ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِي وَ الْإِحْسَانِ إِلَيَّ وَ التَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَ كَرَمِكَ فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجَاهِلَ وَ جُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسَانِكَ إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَالِكِ الْمُلْكِ مُجْرِي الْفُلْكِ مُسَخِّرِ الرِّيَاحِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ دَيَّانِ الدِّينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى طُولِ أَنَاتِهِ فِي غَضَبِهِ وَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يُرِيدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْخَلْقِ بَاسِطِ الرِّزْقِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ ذِي الْجَلَالِ وَ الْإِكْرَامِ وَ الْفَضْلِ [وَ التَّفَضُّلِ‏] وَ الْإِحْسَانِ [وَ الْإِنْعَامِ‏] الَّذِي بَعُدَ فَلَا يُرَى وَ قَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوَى تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُنَازِعٌ يُعَادِلُهُ وَ لَا شَبِيهٌ [شِبْهٌ‏] يُشَاكِلُهُ وَ لَا ظَهِيرٌ [ظَهْرٌ] يُعَاضِدُهُ قَهَرَ بِعِزَّتِهِ الْأَعِزَّاءَ وَ تَوَاضَعَ لِعَظَمَتِهِ الْعُظَمَاءُ فَبَلَغَ بِقُدْرَتِهِ مَا يَشَاءُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُجِيبُنِي حِينَ أُنَادِيهِ وَ يَسْتُرُ عَلَيَّ كُلَّ عَوْرَةٍ وَ أَنَا أَعْصِيهِ وَ يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ عَلَيَّ فَلَا أُجَازِيهِ فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَةٍ هَنِيئَةٍ قَدْ أَعْطَانِي وَ عَظِيمَةٍ مَخُوفَةٍ قَدْ كَفَانِي وَ بَهْجَةٍ مُونِقَةٍ قَدْ أَرَانِي فَأُثْنِي عَلَيْهِ حَامِداً وَ أَذْكُرُهُ مُسَبِّحاً الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُهْتَكُ حِجَابُهُ وَ لَا يُغْلَقُ بَابُهُ وَ لَا يُرَدُّ سَائِلُهُ وَ لَا يُخَيَّبُ آمِلُهُ [وَ لَا يَخِيبُ عَامِلُهُ‏] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُؤْمِنُ الْخَائِفِينَ وَ يُنَجِّي الصَّادِقِينَ [الضَّالِّينَ الصَّالِحِينَ‏] وَ يَرْفَعُ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَ يَضَعُ الْمُتَكَبِّرِينَ [الْمُسْتَكْبِرِينَ‏] وَ يُهْلِكُ مُلُوكاً وَ يَسْتَخْلِفُ آخَرِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَاصِمِ الْجَبَّارِينَ مُبِيرِ الظَّالِمِينَ [الظَّلَمَةِ] مُدْرِكِ الْهَارِبِينَ نَكَالِ الظَّالِمِينَ صَرِيخِ الْمُسْتَصْرِخِينَ مَوْضِعِ حَاجَاتِ الطَّالِبِينَ مُعْتَمَدِ الْمُؤْمِنِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ خَشْيَتِهِ تَرْعُدُ السَّمَاءُ وَ سُكَّانُهَا وَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ عُمَّارُهَا وَ تَمُوجُ الْبِحَارُ وَ مَنْ يَسْبَحُ [يُسَبِّحُ‏] فِي غَمَرَاتِهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّه ‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَخْلُقُ وَ لَمْ يُخْلَقْ وَ يَرْزُقُ وَ لَا يُرْزَقُ وَ يُطْعِمُ وَ لَا يُطْعَمُ وَ يُمِيتُ الْأَحْيَاءَ وَ يُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ هُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِير.

نتائج وآثار حبّ الله في حياة الإنسان:
لحبّ اللّه نتائج و آثار عظيمة في حياة الإنسان:
1- ومن أهمها الإتباع والطاعة، فإن الإنسان إذا أحبّ الله تعالى يطيع الله ورسوله ويتبعهما بطبيعة الحال، وطاعة اللّه ورسوله تستتبع حبّ اللّه ومغفرته، يقول تعالى: «وقل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه ويغفر لكم واللّه غفور رحيم»
٢- ومنها أن حبّ اللّه تعاني يطهر القلب من التعلق بالدنيا، فإن حبّ اللّه هو العامل الأقوى والأكثر نفوذا في قلب الإنسان، والعامل الأقوى يصفي العوامل المعاكسة والمضادة. وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام قوله: حبّ اللّه نار لا يمرّ على شيء إلا احترق، ونور اللّه لا يطلع على شيء إلا أضاء .فهو نار ونور، يطهر القلب، ويضيئه، ويمنحه النور والبصيرة.
وروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «حبّ اللّه إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كل شاغل، وكلّ ذکر سوى اللّه عنده ظلمة، والمحبّ أخلص الناس سرّا لله وأصدقهم قوة، وأوفاهم عهدة، وأزكاهم عملا، وأصفاهم ذکرة، وأعبدهم نفسة، تتباهى الملائكة عند مناجاته، وتفتخر برؤيته».
٣- ومن نتائج حبّ اللّه الذكر، فإن قلب المحبّ ذاكر، والقلب الساهي واللامي لا يدخله الحب، ولا يمكن أن يغفل ويسهو المحبّ عمن يحب.
عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: «علاقة حبّ اللّه تعالى حين ذكر اللّه ، وعلامة بغض اللّه تعالی بغض ذكر اللّه عزوجل»
فإن الإنسان إذا أحبّ شيئا ذكره، وإذا أكثر من حبّ شيء أكثر من ذكره، وإذا لم يحبّ شيئاً غفل عنه أو تغافل عنه، ومن الذكر قيام الليل، وإطالة السجود، والقيام بين يدي اللّه ومداومة العبادة.
وقد روي عن الإمام علي عليه‌السلام: القلب المحبّ لله يحبّ كثيرة النصب لله، والقلب اللّامي في اللّه يحبّ الراحة.
وروي أنه كان فيما أوحى اللّه تعالى الى موسی بن عمران عليه‌السلام: «كذب من زعم أنه يحبني، فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كل محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟ ها أنا ذا یا بن عمران مطلع على أحبائي، إذا جنهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم، ومثلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني وقد حللت عن المشاهدة، ويكلموني عن الحضور».
ومن نتائج حبّ اللّه الرضا بأمر اللّه ، والرضا بأمر اللّه مرتبة فوق مرتبة التسليم، فإن الإنسان قد يستسلم الأمر وهو غير راض عنه، والرضا بأمر اللّه وقضائه وقدره من أسمى مراتب أولياء اللّه .
ففي الدعاء الذي علمه أمير المؤمنين عليه‌السلام لكميل بن زياد:
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤَالَ خَاضِعٍ مُتَذَلِّلٍ [ذَلِيلٍ‏] خَاشِعٍ أَنْ‏ تُسَامِحَنِي‏ وَ تَرْحَمَنِي‏ وَ تَجْعَلَنِي بِقِسْمِكَ رَاضِياً قَانِعاً وَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ [الأمور] مُتَوَاضِعا».
وفي الدعاء في زيارة أمين اللّه :
«اللّهمَ‏ فَاجْعَلْ‏ نَفْسِي‏ مُطْمَئِنَّةً بِقَدَرِكَ رَاضِيَةً بِقَضَائِكَ مُولَعَةً بِذِكْرِكَ وَ دُعَائِكَ مُحِبَّةً لِصَفْوَةِ أَوْلِيَائِكَ مَحْبُوبَةً فِي أَرْضِكَ وَ سَمَائِك‏».
والرضا بأمر اللّه من خصائص ونتائج حبّ اللّه ، فإن الإنسان إذا أحبّ اللّه رضي بأمره وقضائه وقدره.
وفيما أوحى اللّه تعالى الى داود عليه‌السلام:
« يا داود من أحبّ حبيبة صدق قوله، ومن رضي بحبیب رضي فعله، ومن وثق بحبيب إعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جد في السير إليه.»
و من نتائج حبّ العبد لله حبّ اللّه للعيد، وهو نتيجة حتمية.
وتشير إلى هذا المعنى الآية الكريمة: «قل إن كنتم تحبّون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم واللّه غفور رحيم.» وسوف نخصّ هذه النقطة بالحديث قريباً إن شاء اللّه .
ومن نتائج حبّ اللّه الحبّ في اللّه والبغض في اللّه ، وهو أثر طبيعي لحبّ اللّه ، فإن الإنسان إذا أحبّ شيئا يحبّ فيه ويبغض فيه.
وفي النص الآتي نلتقي جملة من آثار و نتائج «حبّ اللّه » في حياة الإنسان.
عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه‌السلام:
«إن أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حبّ اللّه ، فإن حبّ اللّه إذا ورثه القلب، واستضاء به أسرع إليه اللطف، فإذا نزل اللطف صار من أهل الفوائد... فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى، فعاین ربه في قلبه، وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء، وورث العلم بغیر ما ورثه العلماء، وورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون، إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت، وإن العلماء ورثوا العلم بالطلب، وإن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة، فمن أخذ بهذه المسيرة إما أن يسفل وإما أن يرفع، وأكثرهم الذي يسفل ولا يرفع إذا لم يرع حق اللّه ، ولم يعمل بما أمر به، فهذه صفة من لم يعرف اللّه حق معرفته، ولم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم وصيامهم وروایا تهم وعلومهم، فإنهم حمر مستنفرة.»
العلاقة التبادلية بين حبّ اللّه ونتائجه:
ولا بدّ هنا من أن نشير إلى حقيقة مهمة في هذا البحث، وهي أن العلاقة بين حبّ اللّه وجملة من النتائج المترتبة على حبّ اللّه علاقة تبادلية وجدلية، كل منهما يؤدّي إلى الآخر، فإن الحبّ يؤدّي الى الذكر.
عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله: «علامة حبّ اللّه ، حبّ ذكر اللّه والذكر يؤدّي إلى الحبّ.»
عن الامام الصادق عليه‌السلام قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أكثر ذكر اللّه أحبّه».
حبّ اللّه يؤدّي إلى تفريغ القلب من الشواغل والتعلق بالدنيا.
عن الصادق عليه‌السلام: احبّ اللّه إذا أضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغله وتفريغ القلب من الشواغل ومن التعلق بالدنيا يؤدّي إلى حبّ اللّه .
عن الصادق عليه‌السلام: «إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حبّ اللّه ، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط، وإنما خالط القوم حلاوة حبّ اللّه فلم يشتغلوا بغيره» والحبّ في اللّه والبغض في اللّه من نتائج حبّ اللّه ، ولكنه في نفس الوقت يؤدّي إلى حبّ اللّه ، فإن من أحبّ في اللّه يتأكّد حبه لله تعالى، ومن أحبّ اللّه أحبه اللّه ، ومن أحبّه اللّه أحبّ اللّه .
ولهذه العلاقة التبادلية نظائر كثيرة في الثقافة الإسلامية، وهي تسير العبد في خط تصاعدي إلى اللّه ، فإن الذكر يكرّس الحب، والحبّ يكرس الذكر مثلا، وهكذا يتضاعف «الحبّ» و«الذكر» في هذه العلاقة التبادلية باتجاه القرب إلى اللّه . تبادل الحبّ بين اللّه تعالى وعبده تحدثنا عن العلاقة المتبادلة بين حبّ اللّه لعباده وحبّ العبد لله، وذكرنا أن هذه العلاقة متبادلة، وكل منهما يؤدي الى الآخر، وبالتالي تكون منطلق لحركة تصاعدية إلى اللّه في حياة الإنسان.
والقرآن الكريم بذكر هذا الحبّ المتبادل بين اللّه وعباده في سورة المائدة، يقول تعالى : « يا أيها الذين آمنوا من یرتد منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه واسع عليم» هومالك والعلاقة بين هذا الحبّ وذاك «حبّ الله لعبده، وحبّ العبد لربه» علاقة تبادلية، وإذا أراد الإنسان أن يعرف حبّ اللّه تعالى له، فلينظر إلى نفسه، فهي مرآة ومقياس دقيق يستطيع الإنسان أن يعرف بها منزلته عند اللّه تعالى، وحبّ اللّه تعالى له.
روي عن الصادق عليه‌السلام: «من أحبّ أن يعلم ما له عند اللّه ، فليعلم ما لله عنده.
وروي عنه عليه‌السلام: «من أراد أن يعرف كيف منزلته عند اللّه ، فليعرف كيف منزلة اللّه عنده، فإن اللّه ينزل العبد مثل ما ينزل العبد اللّه من نفسه».
وعن الإمام علي عليه‌السلام: «من أراد منكم أن يعلم كيف منزلته عند اللّه ، فلينظر كيف كذلك منزلته عند اللّه تبارك وتعالى»
وعنه عليه‌السلام أيضا: «من أحبّ أن يعلم كيف منزلته عند اللّه فلينظر كيف منزلة اللّه عنده، فإن كلّ من خير له أمران: أمر الدنيا وأمر الآخرة، فاختار أمر الآخرة على الدنيا فذلك الذي يحبّ اللّه ، ومن اختار أمر الدنيا فذلك الذي لا منزلة لله عنده».
وفي النصّ التالي تلتقي صورة معتبرة ودقيقة للعلاقة المتبادلة بين اللّه تعالى وعبده، وما أكرم اللّه تعالى عباده به من قربه وحبه وجواره وفضله إذا أقبلوا عليه، وأحبوه وطلبوه. ونجد صورة رائعة من كرم الربوبية وسعة رحمته، وفضله، وعطائه الجم، تبارك وتعالى في هذا النص: «كان فيما أوحى اللّه تعالى إلى داود: يا داود أبلغ أهل أرضي أنتي حبيب من أحبني، وجليس من جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري، وصاحبّ لمن صاحبني ما أحبني أحد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي، وآنسوني اونسكم وأسارع إلى محبتكم».وإذا أحبّ اللّه تعالى عبدا فتح علیه خزائن رحمته، ورزقه من فضله ورحمته في الدنيا والآخرة من غير حساب، وفتح قلبه على معرفته، ورزقه الإيمان والبصيرة واليقين والحب، و أولهه إليه وشوقه إلى جنابه، وآنسه بحضرته وأشرب قلبه حبه، وأدناه وقربه و أعطاه رضاه، ورضوان اللّه أكبر.»
عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «إذا أحبّ اللّه عبدا ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وقواه باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف، وإذا أبغض اللّه عبدا حبب إليه المال، وبسط له، وألهمه دنياه، ووكله الى هواه، فركب العناد، وبسط الفساد، وظلم العباد».
وعن الإمام علي عليه‌السلام: «إذا أحبّ اللّه عبدا ألهمه حسن العبادة».
وعنه عليه‌السلام: «إذا أحبّ اللّه عبدا حبب إليه الأمانة».
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدة زينه بالسكينة والحلم».
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدا ألهمه الصدق.»
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدا ألهمه رشده ووفقه لطاعته.»
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدة خطر عليه العلم.»
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدا قبض إليه المال، وقصر عنه الآمال.»
وعنه عليه‌السلام أيضا: «إذا أحبّ اللّه عبدا رزقه قلبة سليمة، وخلقا قويما».
كيف نتحبب إلى اللّه ؟
ذكرنا قبل هذا أن اللّه تعالى يتحبب الى عباده «تحبب إلينا بالنعم، وتعارضك بالذنوب و من شقاء العبد وبؤسه أن يتحبب اللّه تعالى اليه، وهو الغني عن عباده، ولا يتحبب العبد إلى مولاه، وهو الفقير إليه عز شأنه.
إذن نتساءل كيف يتحبب العبد إلى ربه؟
بين أيدينا نص من الحديث القدسي بالغ الأهمية، وقد استفاضت رواية هذا النص عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عن طريق ثقات المحدثين. ولست أشك في صحة رواية هذا الحديث القدسي عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله ، نظرا لتواتر روایته في كتب الفريقين المعتمدة. وهذا النص يوضح لنا كيف نتحبب إلى الله ، وإليكم النص برواية البرقي عن الصادق عليه‌السلام عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو بعض طرق هذا النص:
قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله: قال اللّه تعالى: «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله کترددي في قبض نفس المؤمن يكره الموت، وأكره مساءته..
وهذا النص يتضمن مجموعة من النقاط، نشير اليها إجمالا": وأولى هذه النقاط: أن أكثر و أبلغ ما يتقرب به العبد، ويتحبب به الى اللّه هو الفرائض وهذه خصوصية للفرائض من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة، وخمس، وما عدا ذلك من الفرائض، لا توجد في غيرها.
والنقطة الأخرى دور «النافلة في تقريب العبد إلى اللّه ، وتحبيبه إليه، وهو يأتي في سلسلة أسباب القرب والحب، بعد دور الفريضة»
ولايزال العبد يواظب على «النوافل»، ويستمرّ عليها حتى يحبه اللّه .
والنقطة الثالثة في هذا النص عن نتائج و آثار حبّ اللّه تعالى لعبده. «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ولا ينال هذه المرتبة من الرزق إلا ذو حظ عظيم عند اللّه ، فيكون اللّه عينه التي بها يبصر، ولسانه الذي به ينطق، ويده التي بها يبطش. ومن يكون اللّه عينه التي بها يبصر، كانت لعينه بصيرة نفاذة لا تخطئ ولا تزيغ، ومن يكن اللّه تعالى لسانه الذي به ينطق، فلا يقول إلا الحق، ولا يتحرك لسانه في لغو أو باطل.». 

 

الإنتاجات